الشيخ محمد النهاوندي
86
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
بتوسط إنزاله القرآن ، ولو شاء لسلبه عنهم بقوله : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ من القرآن العظيم الذي فيه تبيان كلّ شيء ونمحوه من صدورهم وصحفهم بحيث لا يبقى منه في العالم أثر ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بعد ذهاب القرآن بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا ووليا يردّه إليك ويعيده في الصدور والدفاتر إِلَّا رَحْمَةً كائنة مِنْ رَبِّكَ فانّها هي التي تردّه إليك ، كما أنّها هي التي أبقته في حفظك وحفظ غيرك إِنَّ فَضْلَهُ وإحسانه كانَ عَلَيْكَ من بدو خلقك في العوالم إلى الآن كَبِيراً وعظيما حيث ختم بك الرسل ، وأتاك بالقرآن ، وأعطاك أفضل الأوصياء في الدنيا ، والمقام المحمود في الآخرة . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 88 ] قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) ثمّ لمّا بيّن تفضّله على النبي صلّى اللّه عليه وآله بإنزاله القرآن عليه ، أمره بالتحدّي به بقوله : قُلْ يا محمّد للذين يقولون إنّه كلام البشرك واللّه : لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ واتّفقوا عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ في الفصاحة والبلاغة ، وجزالة المعنى ، وبداعة الأسلوب وكثرة العلوم لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولا يقدرون على ترتيب مشابه وَلَوْ فرض أنه كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ آخر منهم ظَهِيراً ومعاضدا ومعاونا في الاتيان بمثله مع أنّ فيهم الفصحاء ومهرة البيان والخطباء والشعراء . عن ( العيون ) عن أمير المؤمنين عليه السّلام « أنّ اللّه تعالى نزّل هذا القرآن بهذه الحروف التي يتداولها جميع العرب » ثمّ قال : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ الآية » « 1 » . وروي أن ابن أبي العوجاء وثلاثة نفر من الدهرية « 2 » اتفّقوا على أن يعارض كلّ واحد منهم ربع القرآن ، وكانوا بمكة ، وعاهدوا على أن يجيئوا بمعارضته في العام القابل ، فلمّا حال الحول واجتمعوا في مقام إبراهيم ، قال أحدهم : إني لمّا رأيت قوله : يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي « 3 » الآية ، كففت عن المعارضة . وقال الآخر : وكذا أنا لمّا وجدت قوله فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا « 4 » أيست عن المعارضة . وكانوا يسرّون ذلك ، إذ مرّ عليهم الصادق عليه السّلام وقرأ عليهم قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ الآية ، فبهتوا « 5 » . إن قيل : إنّه ظهر عجز الإنس عن الاتيان بمثله ، فمن أين يعلم عجز الجنّ عنه مع احتمال أن يكون
--> ( 1 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1 : 130 / 26 ، تفسير الصافي 3 : 216 . ( 2 ) . الدّهرية : قوم يقولون : لا ربّ ولا جنّة ولا نار ، ويقولون : ما يهلكنا إلّا الدهر . ( 3 ) . هود : 11 / 44 . ( 4 ) . يوسف : 12 / 80 . ( 5 ) . الخرائج والجرائح 2 : 710 / 5 ، تفسير الصافي 3 : 216 .